الحكم المؤبد لـ "دكتور فود": كيف تحولت إمبراطورية البسكويت الشهيرة إلى واجهة لتهريب السموم؟
بيروت – صحيفة ديما | فجّرت محكمة جنايات جبل لبنان اليوم قنبلة قضائية مدوية، بإصدارها حكماً غيابياً يقضي بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بحق صانع المحتوى الشهير جورج حنا ديب، المعروف عالمياً وعربياً بلقب "دكتور فود". يأتي هذا الحكم الصادم بموجب المادة 150 من قانون المخدرات اللبناني، بعد إدانته بتهمة استغلال امبراطوريته الغذائية وشهرته الواسعة على منصات التواصل الاجتماعي لتصنيع شحنات ضخمة من المواد المخدرة وتوضيبها وتهريبها إلى الخارج، لتنتهي بذلك فصول القضية الاستقصائية المثيرة التي شغلت الرأي العام لشهور طويلة، وتطرح تساؤلات عميقة حول كواليس عالم الشهرة الافتراضية والواجهات الاستثمارية للمؤثرين.
تؤكد مصادر قضائية رفيعة لـ "صحيفة ديما" أن الحكم القضائي لم يقتصر على صانع المحتوى اللبناني وحده، بل شمل شبكة متكاملة من الشركاء السوريين واللبنانيين الذين عملوا في الخفاء لإدارة وتصنيع هذه المواد وتهريبها. وقضت المحكمة بإنزال العقوبة عينها (الأشغال الشاقة المؤبدة) بحق عدد من المتواطئين، من بينهم: كمال عباس رمضان (سوري الجنسية، موقوف وجاهياً)، وأحمد دولف اليوسف (سوري الجنسية، محكوم غيابياً)، وعبد الكريم زاهر السالم (موقوف وجاهياً)، وحسن عطية دياب (غيابياً)، إلى جانب محمد عبد الله العلي. كما قررت المحكمة فرض غرامة مالية باهظة بلغت 120 مليون ليرة لبنانية على كل متهم، مع تجريد المحكومين غيابياً، وعلى رأسهم "دكتور فود"، من حقوقهم المدنية والسياسية كاملة وتسطير مذكرات إلقاء قبض بحقهم.
خلفية الأحداث: كيف سقط قناع الإمبراطورية الغذائية الافتراضية؟
لم يكن هذا السقوط المروع لصانع المحتوى وليد الصدفة، بل تعود جذور القضية، وفق ما وثقته ملفات التحقيق التي تابعتها "صحيفة ديما"، إلى منتصف عام 2023. وتحديداً في 14 حزيران، نجحت الأجهزة الأمنية العاملة في مطار رفيق الحريري الدولي ببيروت في إحباط محاولة تهريب مريبة؛ حيث تم توقيف مسافر سوري الجنسية كان متوجهاً إلى تركيا، وعُثر داخل حقائبه على 16 قطعة من مادة حشيشة الكيف بلغ وزنها الإجمالي نحو 1266 غراماً.
المفاجأة الصادمة تجلت في طريقة توضيب هذه المخدرات؛ إذ صُنعت على شكل قوالب مستطيلة تشبه أصابع البسكويت، ووُضعت بإحكام داخل علب شوكولاتة أصلية تحمل العلامة التجارية الشهيرة "Dr. Food"، ومُزجت ضمن شحنة حقيقية من المنتجات الغذائية المصنعة لحساب شركته.
أثناء التحقيق الأولي مع الناقل الموقوف، اعترف بوجود تنسيق لنقل هذه البضائع لحساب جهات تولت تغطية تكاليف سفره ومنحه مكافآت مالية، لتتقاطع خيوط التحريات وتكشف عن معمل سري يقع في منطقة الكيال (امتداد حي الشراونة ببعلبك)، كان يُستخدم لتصنيع هذه الممنوعات وتغليفها مستغلين الاسم التجاري البارز لتضليل الجمارك والأجهزة الرقابية.
قراءة في أبعاد الخبر: عندما تصبح الشهرة غطاءً للممنوعات
إن هذا الحكم القضائي الصادر بحق أحد أبرز وجوه شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي يفتح الباب على مصراعيه لتحليل "الجانب المظلم" لصناعة التأثير الرقمي. كيف يمكن لشخصية بنى مجده الافتراضي على تقييم الأطعمة وزيارة المطاعم، وحصد ملايين المتابعين، أن يتحول إلى متهم رئيسي ومحكوم بالسجن المؤبد في شبكة دولية لتهريب السموم؟
يرى خبراء القانون والاجتماع الرقمي في تصريحات خصوا بها "صحيفة ديما" أن التدفقات المالية الضخمة والنجاح السريع الذي يحققه بعض صناع المحتوى يخلق أحياناً حالة من شعور الفرد بأنه "فوق القانون" ومحصن بجمهوره العريض.
الاستغلال الذكي للاسم التجاري لـ "دكتور فود" لتمرير حشيشة الكيف المخبأة في البسكويت يوضح كيف تم تحويل الشهرة إلى غطاء لوجستي فائق الذكاء لتضليل الجمارك والأجهزة الأمنية، معتمدين على أن المنتجات التي تحمل اسم المشاهير تمر بمستويات تفتيش روتينية أقل ارتياباً مقارنة بالبضائع التقليدية المجهولة.
انقسام الشارع بين التشكيك والترحيب برفع الغطاء القضائي
أثارت هذه القضية منذ بدايتها ردود أفعال متباينة للغاية سادت الأوساط اللبنانية والعربية عبر منصات التواصل الاجتماعي. فبينما رأى قطاع واسع من الجمهور أن الحكم يُعد انتصاراً حقيقياً لسيادة القانون وتأكيداً على عدم وجود مظلات حماية للمشاهير المتورطين في تدمير الشباب وتجارة السموم، ذهب فريق آخر من المدافعين عنه وعن زوجته صانعة المحتوى "شروق صن شاين" إلى التشكيك بملابسات القضية.
وكانت زوجته "شروق" قد ظهرت سابقاً في بث مباشر ناشدت فيه السلطات القضائية والمنظمات الدولية، زاعمة أن هناك حملة تصفية حسابات ومحاولات لاغتيال زوجها معنوياً وتدمير نجاحه الاستثماري.
لكن تقارير حقوقية ومصادر أمنية مطلعة تؤكد أن الأدلة الجنائية الصارمة واعترافات الموقوفين وجاهياً، إلى جانب تحليل حركة الاتصالات وتطابق عينات المواد المضبوطة مع الآلات المستخدمة بمصانع التعبئة، شكلت ركائز قانونية صلبة لا تدع مجالاً للشك، مما دفع القضاء لإصدار أقسى العقوبات لردع أي استغلال مماثل للواجهات الاستثمارية مستقبلاً.
الأسئلة الشائعة حول قضية الدكتور فود والمسار القانوني (FAQ)
س1: ما هي التهمة الرسمية التي أدين بها الدكتور فود؟
أدين جورج حنا ديب (دكتور فود) رسمياً بموجب المادة 150 من قانون المخدرات اللبناني بتهم تصنيع المواد المخدرة والاتجار بها وتهريبها إلى الخارج عبر استغلال منتجات شركته الغذائية وعلامته التجارية كغطاء للتهريب والتوزيع الدولي.
س2: ما هو تفصيل الحكم القضائي الصادر بحقه وبحق شركائه؟
قضى الحكم الصادر عن محكمة جنايات جبل لبنان بإنزال عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بحق جورج حنا ديب وشركائه، مع تغريم كل منهم مبلغ 120 مليون ليرة لبنانية، وتجريد المحكوم عليهم غيابياً من حقوقهم المدنية وتسطير مذكرات إلقاء القبض الفورية بحقهم.
س3: أين يتواجد الدكتور فود حالياً وهل سيتم تسليمه؟
حسب المعلومات المتداولة، يتواجد الدكتور فود حالياً خارج الأراضي اللبنانية (في دبي وعواصم أخرى). وبما أن الحكم صدر غيابياً وبات مبرماً، فإن السلطات اللبنانية تتجه لتعميم اسمه عبر منظمة الإنتربول الدولي لملاحقته وتسليمه بموجب الاتفاقيات القضائية المبرمة بين الدول.
س4: هل تأثرت منتجات شركة الدكتور فود في الأسواق بهذه القضية؟
نعم، واجهت العلامة التجارية تراجعاً حاداً في الثقة وانهياراً في قيمتها السوقية بعدما تبين استخدام مصانعها لتوضيب شحنات الممنوعات، وصدرت قرارات بسحب منتجاتها وتراجع الطلب عليها من قبل المستهلكين خشية تلوث الشحنات أو تداخلها مع شبكات تهريب غير قانونية.
صندوق الكاتب الاستراتيجي
تم إعداد وتحرير هذا التقرير الاستقصائي الشامل بواسطة القسم القضائي والأمني في "صحيفة ديما"، بمشاركة نخبة من الصحفيين الاستقصائيين المتخصصين في متابعة الجرائم المنظمة ومحاكم الجنايات في الشرق الأوسط، بهدف تقديم قراءات موضوعية موثقة بالحقائق والمصادر الرسمية بعيداً عن الشائعات الرقمية.











